تاريخ منطقة أرض الكويت وسكانها

جزء من خريطة تاريخية قديمة تعود للقرن 16م ؛ بين فيها اسم كاظمة مع ميناءها الذي سُمي بالخريطة باسم (portus cathema) ؛ وقد وضعت علامات بجانب اسم كاظمة تدل على أنها منطقة مأهولة بالسكان .

الثابت بالمراجع التاريخية أن الوجود الحضري قديم جداً في المنطقة التي قامت عليها دولة الكويت ؛ ويسبق قدوم (العتوب) إليها بقرون ، حيث تذكر المراجع بان منطقة كاظمة كانت محطة للقوافل القادمة من بلاد فارس وغيرها إلى جزيرة العرب ؛ وكانت كاظمة من المواقع المعروفة بالآبار العذبة لدى العرب منذ القدم ، وسكنتها عدة قبائل عربية ؛ مثل : بكر بن وائل ؛ بنو تميم ؛ بنوشيبان ؛ وبعض البجليين مثل الجلاعم وبنوعقيدة الذين كانوا مع بني سدوس بالبحرين (المقصود إقليم البحرين) . وشهدت كاظمة معارك تاريخية ، منها معركة كاظمة الشهيرة باسم ذات السلاسل ؛ وهي معركة كانت بين المسلمين والفرس وقعت سنة 12 هـ (633 م) ؛ وانتصر فيها المسلمون على الفرس ، وأيضاً في شمال كاظمة وقعت معركة القادسية الشهيرة عام 15 هـ (636 م) ؛ وانتصر فيها المسلمون أيضاً .

وظلت كاظمة على مر التاريخ مأهولة ويعيش فيها بعض الناس حتى بعد قدوم (العتوب) للمنطقة في أوائل القرن الثامن عشر ، حيث تذكر المصادر أن كاظمة أستخدمت خلال الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) لرسو السفن البريطانية الكبيرة لأستقبال جرحى الحرب الذين تأتي بهم سفن صغيرة من شط العرب ، وهو أمر يدل على أنها لم تكن منطقة نائية حتى بعد نشأة الكويت في القرن 18م .

وأمهات الكتب والمراجع التاريخية لا تخلو من ذكر كاظمة وتصفها بأنها كانت سكناً من مساكن العرب وتقع في طريق الحاج المسافر من البصرة ؛ ويقع فيها قبر (غالب) والد الشاعر الفرزدق ، وتضيف المراجع بأن الصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه وقومة من بجيلة سكنوا منطقة كاظمة في قديم الزمان . وأيضاً لا تخلو كتب الرحالة من ذكر كاظمة في كتبهم ، فمثلاً صاحب كتاب (تقويم البلدان) قال عنها : ومن الأماكن المشهورة بالبحرين كاظمة ، وهي جون على ساحل البحر بين البصرة والقطيف ، وبين كاظمة والقطيف مسيرة أربعة أيام ، وهي في جهة الجنوب عن البصرة ويقال لها كاظمة البحور ، وهي منازل للعرب وبها مراع جيدة وآبار كثيرة قريبة المدى . (أنتهى)

علماً أن اسم كاظمة قديماً كان يطلق على معظم المنطقة التي تمثلها أرض دولة الكويت الحالية ، وقد ظهر اسم كاظمة في الخرائط القديمة قبل ظهور اسم القرين أو اسم الكويت . ومن جانب آخر ؛ فأن القائمون على رسم الخرائط التاريخية القديمة ؛ حرصوا على بيان أهمية المواقع والكيانات الجغرافية المدونة في خرائطهم ، فمثلاً كانوا يضعون علامات بجانب مناطق التجمعات السكانية والبلدات كمؤشر ودلالة على أنها مناطق مأهولة بالسكان ، كما في الخريطة المرفقة والتي تعود للقرن 16م .

جزء من خريطة نيبور لعام 1765م ؛ وفيها لم يظهر اسم كاظمة ؛ وظهر بدلاً منه اسم القرين (الكويت) ، مما يؤكد بان أهمية منطقة كاظمة قد تقلصت بعد القرن 16م ؛ خصوصاً بعد نشأة بلدة القرين قربها في بداية القرن 18م .

تاريخ نشأة دولة الكويت الحالية

المعلوم أن دولة الكويت تحتل جزءاً من الشريط الساحليّ للخليج العربي ، وتقع في الجنوب الشرقي من منطقة البصرة العراقية ، وقد تضاربت أقوال المصادر بشأن تاريخ نشأتها ، فمنهم من قال إن الكويت نشأة في عام 1613م ، ومنهم من قال في حدود عام 1669م ، وزعم آخرون أنها نشأة في عام 1713م ، وبعضهم قال في عام 1762م ، وبعض الوثائق العثمانية تقول في عام 1701م ، وقال الشملان صاحب كتاب (تاريخ الغوص) بان العتوب بعدما هاجروا من قطر ، سكنوا الصبية ، فلم تلائمهم الحياة فيها ، فغادروها إلى جزيرة فيلكا وسكنوها مدة من الزمن ، ثم بعد ذلك غادروا فيلكا الى ساحل الكويت ، فتأسست مدينة الكويت حوالي عام 1712م ، وهو تاريخ بناء البيوت الحجرية فيها . وكذلك تضاربت أقوال المصادر بشأن جذور العتوب وأهل الكويت الأوائل ؛ وموطنهم الأصلي .

والملاحظ أن جميع المؤلفات المتأخرة تربط تاريخ المنطقة بتاريخ قدوم (العتوب) إليها ؛ واستقرارهم قرب كوت بني خالد حكام المنطقة آنذاك ، رُغم ثبوت أن المنطقة لم تكن على مر العصور منطقة نائية وغير مأهولة ، حيث يقول السعيدان في موسوعته بأن العوازم هم أقدم من استوطن أرض الكويت ، وهم من العشائر العربية التي تُسمى العريب دار (العريبدار) ؛ وهي عشائر نصف متحضرة وحياتهم مزيج من المدنية والبداوة ويسكنون القرى ، ويحترفون الصيد والغوص والمسابلة والفلاحة البسيطة ، وهم من قبائل جزيرة العرب ويتألفون من عدة طوائف (أنتهى) . علماً أن كلمة (عريب) هي تصغير كلمة (عرب) طبقاً لمراجع اللغة العربية ؛ وهي كلمة مستخدمة عند العرب قديماً ؛ فيقال بالامثال : ما بالدار عريب ، ووردت الكلمة أيضاً في أشعار العرب ؛ مثل قول القعقاع بن عمرو التميمي (صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا = إلى الريف من أرض العريب المقانف) ، وهو بيت شعر جاء ضمن قصيدة للقعقاع بعد معركة ذات السلاسل التي وقعت في منطقة كاظمة الكويتية وماجاورها .

أما عن تاريخ نشأة دولة الكويت الحالية ؛ فأن ظهور بلدة القرين (الكويت) في خريطة نيبور لعام 1765م يتوافق مع أقوال بعض المصادر والوثائق التاريخية بأن الكويت نشأة بعدما قدم العتوب بسفنهم من منطقة المخراق وماجاورها في بداية القرن الثامن عشر ؛ واستقروا على ساحل القرين في القرية أو البلدة التي عُرفت باسم القرين (الكويت) ؛ ثم بدأ الناس يتوافدون إليها في البداية من المناطق القريبة والمجاورة للبلدة ، وبعضهم أتى من نفس المناطق التي سبق أن سكنها العتوب خلال فترة ترحالهم وتنقلهم بين مناطق ساحلي الخليج العربي الشرقي والغربي ، ثم بعد ذلك صار الناس يتوافدون إلى الكويت من كل مكان ؛ وفي أزمنة مختلفة .

إستيطان آل نافع البجلي الكويت أوائل القرن الثامن عشر

آل نافع البجلي هم فرقة من قبيلة بجيلة الحجازية ونسبها يتصل بالصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه الذي سكن مع قومه كاظمة وماجاورها ؛ والمراجع تذكر أيضاً أن بعض البجليين سكنوا مناطق بالعراق قريبة من أرض الكويت مثل البصرة وغيرها ؛ وتولى بعضهم مناصب بتلك المناطق ؛ مثل : جرير بن يزيد بن جرير بن عبدالله البجلي الذي تولى ولاية البصرة سنة 126 هـ (743م) ؛ وهو أيضاً محدث روى عن جده الصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه ؛ وله ستة أحاديث في كتب الحديث الشريف .

وفي أوائل القرن الثامن عشر استوطن بعض آل نافع البجلي بلدة القرين (الكويت) في بداية نشأتها ؛ ومن آل نافع عائلتنا (الياسين) وأخوتهم عائلة (الهلال) ؛ وعُرف فريجهم (حيهم) حينها باسم فريج البُجلان نسبة لقبيلة بجيلة التي ينتسبون إليها ، وهي نسبة جماعية تطلق على أكثر من شخص عند إستخدام (جمع التكسير) تماثل : الحبلان - الجبلان - العجلان - المطران .... ألخ . وهناك أكثر من رواية بشأن المكان الذي أتوا منه إلى بلدة القرين (الكويت) في بداية نشأتها ، فقيل : هم من سكان كاظمة وماجاورها ، وأنهم إمتداد لقوم الصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه الذين سكنوا منطقة كاظمة ، وبعدما نشأة بلدة القرين انتقلوا إليها في أوائل القرن الثامن عشر . وقيل أيضاً : أنهم من سكان مناطق قريبة وكانوا يترددون على ساحل كاظمة والقرين لوجود مصائد أسماك وأكواخ (عشيش) تخصهم على ساحل المنطقة ، وبعد نشأة بلدة القرين استقروا فيها أوائل القرن الثامن عشر . وقيل غير ذلك إستناداً لمصاهرات قديمة لبعض أسلافهم مع أسر من : تميم والرفاعي والمشاهدة والقرارطة ، وهي عشائر وطوائف تتواجد بكثرة في مناطق جنوب العراق وماجاورها . والله أعلم