تاريخ المنطقة وسكانها الأوائل

جزء من خريطة تاريخية قديمة تعود للقرن 16م تبين كاظمة وميناءها الذي سُمي بالخريطة باسم (portus cathema) ؛ ويلاحظ وجود علامة بجانب اسم كاظمة تدل على أنها منطقة مأهولة بالسكان ؛ ويلاحظ أيضاً عدم ذكر القرين .


جزء من خريطة نيبور لعام 1765م وقد ظهر فيها أسم القرين ولم يظهر اسم كاظمة التي كانت موجودة بالخرائط الأقدم من هذه الخريطة ، مما يدل ويؤكد بان أهمية كاظمة تقلصت خصوصاً بعد نشأة بلدة القرين قربها في بداية القرن 18م .

الثابت بالمصادر التاريخية أن الوجود الحضري بالمنطقة التي قامت عليها دولة الكويت قديم جداً ويسبق نشأتها بعدة قرون ؛ حيث تذكر المراجع بأن كاظمة على مر التاريخ كانت منطقة مأهولة ومحطة للقوافل القادمة لجزيرة العرب ؛ وفيها عدة آبار للمياه العذبة وسكنتها عدة قبائل عربية ؛ مثل بنو شيبان وبنو تميم وبعض الفرق والطوائف من قبيلة بجيلة ؛ كالعقيدات (بنوعقيدة) والجلاعم (بنوسحمة) والنوافع (بنونافع) وقوم الصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه . وتجدر الإشارة إلى أن بعض البجليين أستقروا أيضاً في المناطق القريبة من أرض الكويت مثل البصرة وغيرها ؛ وتولى بعضهم مناصب مهمة في تلك المناطق أيام الأمويين والعباسيين ؛ مثل : جرير بن يزيد بن جرير بن عبدالله البجلي الذي تولى ولاية البصرة سنة 126 هـ (743م) .

ولا تخلو الكتب والمراجع التاريخية من ذكر كاظمة وتصفها بأنها كانت سكناً من مساكن العرب وتقع في طريق الحاج المسافر من البصرة وفيها قبر (غالب) والد الشاعر الفرزدق ، ويقول عنها صاحب كتاب (تقويم البلدان) الآتي نصه : ومن الأماكن المشهورة بالبحرين كاظمة ، وهي جون على ساحل البحر بين البصرة والقطيف ، وبين كاظمة والقطيف مسيرة أربعة أيام ، وهي في جهة الجنوب عن البصرة ويقال لها كاظمة البحور ، وهي منازل للعرب وبها مراع جيدة وآبار كثيرة قريبة المدى . (أنتهى النقل)

وكذلك الخرائط التاريخية القديمة ؛ فأنها تؤيد وتؤكد أهمية منطقة كاظمة في قديم الزمان ، لأن القائمون على رسم تلك الخرائط كانوا يضعون علامات بجانب مواقع البلدات والتجمعات السكانية كمؤشر ودلالة على أنها مناطق مهمة ومأهولة بالسكان ، لذلك فأن كاظمة ظهرت في خريطة القرن 16م المرفقة على أنها بلدة أو منطقة ذات أهمية وفيها ميناء ، وتجدر الإشارة إلى أن ميناء كاظمة ظل يستخدم حتى بعد تقلص أهمية كاظمة بعد نشأة بلدة القرين قربها ؛ حيث تذكر المصادر أن ميناء كاظمة أستخدم خلال الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) لرسو السفن البريطانية الكبيرة لأستقبال جرحى الحرب الذين تأتي بهم سفن صغيرة من شط العرب .

أما عن تاريخ نشأة بلدة القرين (الكويت) وجذور أهلها الأوائل ومكان هجرتهم ؛ فقد تعددت أقوال المصادر بهذا الخصوص ، وقال الشملان صاحب كتاب (تاريخ الغوص) بأن بلدة الكويت تأسست عام 1712م وهو تاريخ بناء البيوت الحجرية فيها . ويلاحظ بأن قول الشملان يتوافق مع المذكور في بعض الوثائق العثمانية بأن العتوب أنتقلوا إلى القرين (الكويت) عام 1701م ، ويتوافق قول الشملان أيضاً مع أول ظهور لبلدة القرين (الكويت) في خريطة نيبور لعام 1765م وغيرها من خرائط القرن 18م ؛ مما يعنى أن البلدة نشأة في بداية القرن الثامن عشر بعدما قدم العتوب بسفنهم من منطقة المخراق وماجاورها واستقروا على ساحل القرين في البلدة التي عُرفت باسم القرين (الكويت) قرب كوت بني خالد حكام المنطقة آنذاك ؛ ثم بدأ الناس يتوافدون إليها في البداية من المناطق القريبة والمجاورة للبلدة ، وبعضهم أتى من نفس المناطق التي سبق أن سكنها العتوب خلال فترة ترحالهم وتنقلهم بين مناطق ساحلي الخليج العربي الشرقي والغربي ، ثم بعد ذلك صار الناس يتوافدون إلى بلدة القرين (الكويت) من كل مكان ؛ وفي أزمنة مختلفة .

ومن الذين أنتقلوا لبلدة القرين (الكويت) في بداية نشأتها فرقة من آل نافع البجلي أسلاف عائلة الياسين وأخوتهم الهلال ، والثابت بالمصادر أن آل نافع البجلي هم فرقة من نوافع قبيلة بجيلة ونسبهم يتصل بالصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه الذي سكن وقومه منطقة كاظمة وغُضي وماجاورهما وتولى بعض أولاده وأحفاده مناصب مهمة بالبصرة وغيرها من مناطق الدولة الإسلامية .

أما عن المكان الذي أتى منه آل نافع البجلي إلى بلدة القرين (الكويت) في بداية نشأتها ، فقيل أنهم من سكان منطقة كاظمة وماجاورها ؛ وبعدما نشأة بلدة القرين بالقرب منهم انتقلوا إليها في أوائل القرن الثامن عشر . وقيل أيضاً : أنهم من سكان مناطق قريبة وكانوا يترددون على ساحل كاظمة والقرين لوجود مصائد أسماك وأكواخ (عشيش) تخصهم على ساحل المنطقة ؛ وبعدما نشأة بلدة القرين أنتقلوا إليها واستقروا فيها أوائل القرن الثامن عشر . وقيل غير ذلك إستناداً لمصاهرات قديمة جداً لبعض أسلافهم مع أسر من بني تميم والرفاعي والمشاهدة والقرارطة ، وهي عشائر وطوائف تتواجد بكثرة في مناطق العراق الجنوبية وماجاورها ؛ والله أعلم .

أقوال المصادر عن الكويت وأهلها الأوائل

1- المعلوم أن وثائق الدولة العثمانية تعتبر من المصادر المهمة لكل باحث في تاريخ دولة الكويت القديم أو تاريخ المنطقة عموماً ؛ ومن تلك الوثائق التاريخية تقرير كتبه الوالي مدحت باشا في 21 شوال 1288هـ الموافق 3 يناير 1872م ورد فيه وصف تفصيلي عن بلدة الكويت وسكانها في سنة زيارته لها ؛ يقول الوالي مدحت باشا في التقرير المذكور الآتي (هذه واحدة من عدة تراجم للتقرير) :

تقع قصبة الكويت على ساحل البحر وتبعد عن الفاو 70 ميلاً ؛ وأهلها عرب مسلمون وعدد بيوتهم بحدود 6,000 بيت ؛ ونسل هؤلاء العرب من الحجاز وكانوا قبل 500 سنة قد حضروا إلى هذه البقعة مع جماعة من قبيلة مطير ؛ وواضع أول حجر لتلك البلدة رجل اسمه صباح ؛ وقد كثر عدد أهلها على تمادي الأيام وشيخها اليوم اسمه عبد الله بن صباح وهو من هذه القبيلة ؛ والأهالي هناك شوافع وهم يديرون أمرهم معتمدين على الشرع الشريف وحاكمهم وقاضيهم منهم فهم يعيشون شبه جمهورية وموقعهم يساعدهم على الاحتفاظ بحالتهم الحاضرة وهم لا يشتغلون بالزراعة بل بالتجارة البحرية وعندهم ألفان من المراكب التجارية الكبيرة والصغيرة فهم يشتغلون بصيد اللؤلؤ في البحرين وفي عمان وتسافر سفائنهم الكبيرة إلى الهند وزنجبار للتجارة وقد رفعوا فوق مراكبهم راية مخصوصة بهم واستعملوها زمنا طويلا (أنتهى) .

وتجدر الإشارة إلى أن مذهب أهل الكويت الأوائل يؤكد صحة المعلومات الواردة في تقرير الوالي مدحت باشا المذكور ؛ حيث الثابت بالمراجع بأن المذهب الشافعي كان سائداً في كويت الماضي البعيد حتى أواخر القرن التاسع عشر شأنها شأن البلدان المجاورة لها بذلك الزمان مثل الإحساء والبصرة وغيرها ، وكذلك القضاء في كويت الماضي كان لمدة تزيد عن قرن ونصف بيد علماء من أل العدساني الكرام ؛ وهي أسرة كويتية عريقة جذورها حجازية وتتبع المذهب الشافعي .

ومن جانب آخر ، فأن كتب الأنساب الكويتية تذكر أن معظم أهل الكويت الأوائل ينتمون لأحدى القبائل الحجازية ، مثل قبائل : الأزد - باهلة - بجالة - بجيلة - البقوم - بني حسين - بني زيد - بني عائذ - حرب - الخزرج - بني سليم - عتيبة - عدوان - مطير - قحطان - هذيل وغيرها . علماً أن بعض المصادر تقول أن العتوب من قبيلة بني سليم الحجازية ، والثابت بالمراجع أن معظم أهل مناطق الحجاز وتهامة كانوا على مذهب الإمام الشافعي ؛ لذلك كانت الصلاة في الحرم المكي حتى عام 1926م كانت تقام أولاً لأهل المذهب الشافعي ؛ ثم يليهم أهل المذاهب الثلاثة الأخرى بالتتابع ؛ وكان لكل مذهب إمام ومقام (محراب للصلاة) وأكبرهم كان المحراب الشافعي ، وبعد توحيد المملكة في ثلاثينيات القرن الماضي تم إلغاء هذا التقسيم وأصبحت الصلاة تقام موحدة وبإمام واحد كما هو الحال الآن .


2- كتاب الرحالة الدنماركي كارستن نيبور (Carstein Neibuhr) الذي زار منطقة الخليج العربي في عام 1765م والذي تحدث فيه عن بلدة الكويت ؛ فقال مايلي :

كويت أو قرين (Koueit or Graen) كما يسميها الفرس والأوربيون تعتبر ميناء بلدة ساحلية تبعد ثلاثة أيام من الزبير (Zobejer) أو البصرة القديمة ، ويعيش السكان على تجارة صيد السمك والغوص على اللؤلؤ ، ويعمل في هذه الصناعة أكثر من 800 سفينة في الفصول المناسبة من العام ، وتترك هذه البلدة مهجورة تقريباً حيث يتوجه الكل إما لصيد السمك أو في مغامرة تجارية (يقصد السفر الشراعي) ، ويحكم القرين شيخ من قبيلة (Otbema) وهو تابع لشيخ الإحساء (Schiech of Lachsa) ، وأحياناً يطمح في الاستقلال ، وفي هذه الحالة يقوم شيخ الإحساء بمهاجمته بجيشه ، فيلجأ سكان القرين مع أمتعتهم إلى جزيرة فيلكا (Feludsje) الصغيرة ، وبالقرب من القرين توجد بقايا قلعة برتقالية . أهـ

يبدو أن قول نيبور (بقايا قلعة برتقالية) يقصد به (كوت بني خالد) ، وأيضاً قوله (فيلجأ سكان القرين مع أمتعتهم إلى جزيرة فيلكا) ربما يدل على أن مباني البلدة كانت بدائية أو عبارة عن أكواخ وعشيش ؛ وهو الشيئ الذي ذكره الشملان في كتابة (تاريخ الغوص) عندما قال بأن تاريخ بناء البيوت الحجرية كان بحدود عام 1712م .