تاريخ المنطقة وسكانها الأوائل

جزء من خريطة تاريخية قديمة (قبل عام 1737م) تبين موقع بلدة كاظمة وميناءها وقد تم وضع علامة بجانب اسم كاظمة تدل على أنها بلدة ومنطقة مأهولة بالسكان ، ويلاحظ عدم ذكر بلدة القرين بهذه الخريطة (ربما لعدم أهميتها بذلك العهد) .
جزء من خريطة نيبور لعام 1765م وقد ظهر فيها أسم القرين ولم يظهر اسم كاظمة التي كانت موجودة بالخرائط الأقدم من هذه الخريطة ، مما يدل بان أهمية بلدة كاظمة تقلصت بعد نشأة وتطور بلدة القرين بعد النصف الثاني من القرن 18م .

الثابت بالمصادر التاريخية أن الوجود الحضري بالمنطقة التي قامت عليها دولة الكويت قديم جداً ويسبق نشأتها بعدة قرون ؛ حيث تذكر المراجع بأن كاظمة بلدة معروفة عند العرب ؛ وهي محطة للقوافل القادمة لجزيرة العرب ؛ وسكنتها عدة قبائل عربية عبر التاريخ ؛ منهم بكر بن وائل وبنو شيبان وبنو تميم وبعض الفرق من قبيلة بجيلة ، كالعقيدات (بنوعقيدة) والجلاعم (بنوسحمة) والنوافع (بنونافع) وبعض قوم الصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه . علماً ان قسم من قوم الصحابي جرير مع بعض أهله أستقروا في المناطق القريبة من أرض الكويت ؛ كالبصرة والأحواز وغيرها ؛ وتولى بعض نسله مناصب مهمة في تلك المناطق أيام الأمويين والعباسيين ؛ مثل حفيده : جرير بن يزيد بن جرير بن عبدالله البجلي الذي تولى ولاية البصرة سنة 126 هـ (743م) . وفي العصور المتأخرة سكنت منطقة كاظمة وماجاورها فرق من الخوالد والعوازم والنوافع والعثامنة وغيرهم ، وهم يعملون بصيد السمك والغوص على اللؤلؤ والمسابلة .

ولا تخلو الكتب والمراجع التاريخية من ذكر كاظمة وتصفها بأنها كانت سكناً من مساكن العرب وتقع في طريق الحاج المسافر من البصرة وفيها قبر (غالب) والد الشاعر الفرزدق ، ويقول عنها صاحب كتاب (تقويم البلدان) الآتي نصه : ومن الأماكن المشهورة بالبحرين كاظمة ، وهي جون على ساحل البحر بين البصرة والقطيف ، وبين كاظمة والقطيف مسيرة أربعة أيام ، وهي في جهة الجنوب عن البصرة ويقال لها كاظمة البحور ، وهي منازل للعرب وبها مراع جيدة وآبار كثيرة قريبة المدى . (أنتهى النقل)

والخرائط التاريخية القديمة أيضاً تؤكد أهمية منطقة كاظمة في القرون الماضية ، لأن القائمون على رسم تلك الخرائط كانوا يحرصون على وضع علامات بجانب مواقع البلدات والتجمعات السكانية كمؤشر ودلالة على أنها مناطق مهمة ومأهولة بالسكان ، لذلك فأن كاظمة ظهرت في خرائط النصف الأول من القرن 18م على أنها بلدة مأهولة وفيها ميناء أطلق عليه أسم (portus cathema) ، ويبدو أنه نفس الميناء الذي تمت الإستفادة منه أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) ؛ حيث تذكر المصادر أنه تم إستخدم ميناء كاظمة لرسو السفن البريطانية الكبيرة لأستقبال ونقل جرحى الحرب الذين تأتي بهم سفن صغيرة من منطقة شط العرب . وتجدر الإشارة بان بلدة كاظمة التاريخية أختفت من خرائط النصف الثاني للقرن 18م وظهرت بدلاً منها بلدة تُسمى القرين كما في خريطة نيبور لعام 1765م .

أما عن تاريخ نشأة الكويت وجذور أهلها الأوائل ، فأن معظم المصادر أعتبرت تاريخ نشأة الكويت هو تاريخ إستقرار العتوب في بلدة القرين في بداية القرن الثامن عشر الميلادي (بعض الوثائق العثمانية ذكرت عام 1701م) ، وكانت القرين (الكويت) حينئذ عبارة عن قرية بسيطة ليس فيها عمارة ويسكنها حراس كوت بني خالد حكام المنطقة آنذاك ؛ بالإضافة إلى بعض الطوائف من العريبدار وصيادي السمك الذين كانوا يسكنون الأكواخ قبل بناء البيوت الحجرية بحدود العقد الثاني من القرن 18م طبقاً لقول الشملان صاحب كتاب (تاريخ الغوص) عندما قال : بلدة الكويت تأسست عام 1712م ، وهو تاريخ بناء البيوت الحجرية في البلدة .

وبعد إستقرار العتوب في بلدة القرين (الكويت) ؛ تطورت البلدة وأزدهرت ؛ فصار الناس يتوافدون إليها من المناطق المجاورة والقريبة منها ؛ كالإحساء ومناطق رأس الخليج العربي ، وبعضهم أتى إليها من نفس المناطق التي سبق سكنها العتوب خلال فترة ترحالهم وتنقلهم بين مناطق ساحلي الخليج العربي الشرقي والغربي ، ثم بعد ذلك صار الناس يتوافدون إلى البلدة من كل مكان ؛ وفي أزمنة مختلفة .

ومن الذين أنتقلوا لبلدة القرين (الكويت) في أوائل القرن 18م فرقة من آل نافع البجلي أسلاف عائلة الياسين وأخوتهم الهلال ، والثابت بالمصادر أن آل نافع البجلي هم فرقة من نوافع قبيلة بجيلة ويتصل نسبهم بالصحابي جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه الذي سكن وقومه منطقة كاظمة وماجاورها وتولى بعض أولاده وأحفاده مناصب مهمة بالبصرة وغيرها من مناطق الدولة الإسلامية .

أما عن المكان الذي أتى منه آل نافع البجلي إلى بلدة القرين (الكويت) ، فقيل أنهم بالأصل من سكان منطقة كاظمة وماجاورها ؛ وبعد تطور بلدة القرين القريبة منهم انتقلوا إليها في أوائل القرن الثامن عشر . وقيل أيضاً : أنهم من سكان منطقة قريبة من كاظمة ويترددون بإستمرار على كاظمة وماجاورها لوجود مصائد أسماك وأكواخ (عشيش) تخصهم على ساحل المنطقة ؛ وبعدما تطورت بلدة القرين أنتقلوا إليها واستقروا فيها أوائل القرن الثامن عشر . وقيل غير ذلك إستناداً لمصاهرات قديمة جداً لبعض أسلافهم مع أسر من بني تميم والرفاعي والمشاهدة والقرارطة ، وهي عشائر وطوائف تتواجد بكثرة في شمال الكويت ومناطق العراق الجنوبية وماجاورها ؛ والله أعلم .

بعض الأقوال عن نشأة الكويت وجذور أهلها الأوائل

*****************








من المعلوم أن وثائق الدولة العثمانية تعتبر من المصادر المهمة لكل باحث في تاريخ دولة الكويت أو في تاريخ المنطقة عموماً ؛ ومن تلك الوثائق التاريخية تقرير كتبه الوالي مدحت باشا في 21 شوال 1288هـ الموافق 3 يناير 1872م ورد فيه وصف تفصيلي عن بلدة الكويت وسكانها في سنة زيارته لها ؛ يقول الوالي مدحت باشا في تقريره الآتي :

تقع قصبة الكويت على ساحل البحر وتبعد عن الفاو 70 ميلاً ؛ وأهلها عرب مسلمون وعدد بيوتهم بحدود 6,000 بيت ؛ ونسل هؤلاء العرب من الحجاز وكانوا قبل 500 سنة قد حضروا إلى هذه البقعة مع جماعة من قبيلة مطير ؛ وواضع أول حجر لتلك البلدة رجل اسمه صباح ؛ وقد كثر عدد أهلها على مر الأيام وشيخها اليوم اسمه عبد الله بن صباح وهو من هذه القبيلة ؛ والأهالي هناك شوافع وهم يديرون أمرهم معتمدين على الشرع الشريف وحاكمهم وقاضيهم منهم ؛ وهم يعيشون شبه جمهورية وموقعهم يساعدهم على الاحتفاظ بحالتهم الحاضرة ؛ وهم لا يشتغلون بالزراعة بل بالتجارة البحرية وعندهم ألفان من المراكب التجارية الكبيرة والصغيرة ؛ وهم يشتغلون بصيد اللؤلؤ في البحرين وفي عمان وتسافر سفنهم الكبيرة إلى الهند وزنجبار للتجارة وقد رفعوا فوق مراكبهم راية مخصوصة بهم واستعملوها زمنا طويلا (ماسبق ترجمة من عدة تراجم لتقرير الوالي العثماني) .

وعن قبيلة مطير التي ذكرها الوالي بتقريرة ، فأن المراجع تقول بانها قبيلة معاصرة جذورها حجازية وترجع في نسبها لقبيلة خثعم أخوة قبيلة بجيلة الحجازية ، وبعض المصادر ذكرت أيضاً بان زعماء العتوب يرجعون في نسبهم لبني سليم الحجازية . ومن جانب آخر ؛ فأن كتب النسب الكويتية تنسب معظم أهل الكويت الأوائل لأحدى القبائل الحجازية العريقة ، كقبائل : الأزد - باهلة - بجالة - بجيلة - البقوم - بني حسين - بني زيد - بني عائذ - حرب - الخزرج - بني سليم - عتيبة - عدوان - مطير - قحطان - هذيل وغيرها .

أما عن مذهب أهل الكويت الأوائل الذي أشار إليه الوالي مدحت باشا في تقريره المذكور أعلاه ، فأن الكتب والمراجع التاريخية تذكر بان المذهب الشافعي كان سائداً في كويت الماضي البعيد حتى أواخر القرن التاسع عشر شأنها شأن المناطق المجاورة لها كالإحساء والبحرين والبصرة وغيرها ، وكذلك القضاء في كويت الماضي كان لمدة تزيد عن قرن ونصف بيد علماء من أل العدساني الكرام ؛ وهي أسرة كويتية عريقة جذورها حجازية وتتبع المذهب الشافعي . علماً بان المذهب الشافعي كان في قديم الزمان هو المذهب السائد في معظم الأقطار والمناطق ، لذلك كانت الصلاة بالحرم المكي تقام أولاً للشوافع لأنهم الأغلبية في المنطقة ، ثم يليهم أهل المذاهب الثلاثة الأخرى بالتتابع ، وكان لكل مذهب إمام ومقام (محراب) ، وأستمرت الصلاة بالحرم المكي بهذا الأسلوب حتى عام 1926م .


أما من جانب المصادر الأجنبية ؛ فأن الرحالة الدنماركي كارستن نيبور (Carstein Neibuhr) زار منطقة الخليج العربي في عام 1765م ، وأصدر كتاب عن المنطقة تحدث فيه عن بلدة الكويت أو القرين ؛ وقال عن الكويت مايلي :

كويت أو قرين (Koueit or Graen) كما يسميها الفرس والأوربيون تعتبر ميناء بلدة ساحلية تبعد ثلاثة أيام من الزبير (Zobejer) أو البصرة القديمة ، ويعيش السكان على تجارة صيد السمك والغوص على اللؤلؤ ، ويعمل في هذه الصناعة أكثر من 800 سفينة في الفصول المناسبة من العام ، وتترك هذه البلدة مهجورة تقريباً حيث يتوجه الكل إما لصيد السمك أو في مغامرة تجارية (يقصد السفر الشراعي) ، ويحكم القرين شيخ من قبيلة (Otbema) وهو تابع لشيخ الإحساء (Schiech of Lachsa) ، وأحياناً يطمح في الاستقلال ، وفي هذه الحالة يقوم شيخ الإحساء بمهاجمته بجيشه ، فيلجأ سكان القرين مع أمتعتهم إلى جزيرة فيلكا (Feludsje) الصغيرة ، وبالقرب من القرين توجد بقايا قلعة برتقالية . أهـ

يبدو أن قول نيبور (بقايا قلعة برتقالية) يقصد به (كوت بني خالد) ، وأيضاً قوله (فيلجأ سكان القرين مع أمتعتهم إلى جزيرة فيلكا) ربما يدل على أن مباني البلدة وبيوتها كانت عبارة عن أكواخ وعشيش ؛ وهو الشيئ الذي ذكره الشملان في كتابة (تاريخ الغوص) عندما قال بأن تاريخ بناء البيوت الحجرية كان بحدود عام 1712م .